الحمدُ لله الذي أعاذ من استعاذ به من النفاق وأجار من استجار به من الشقاق وصلى على محمد سيد المرسلين والمصطفين به إلى يوم التلاق .
أما بعد: فأن واجب الوقت الجهادي ليس الصدام مع النظم الحاكمة ، و لا للدخول فى الحرب مع الغرب على أساس دينى .. و لا للدخول فى حرب هجومية خارج الحدود مع المستعمرين الجدد .. و إنما الأولوية اليوم لاختزان طاقة الجهاد لمواجهة المستعمر الذى يريد أن يغير هوية الأمة الإسلامية و يطمسها و للدفاع عن ثوابت العقيدة ببلدنا. ضد المد الصفوي الكافر ومن يعاونهم على ذلك.
وأن ما ابتليت به الأمة الاسلامية في هذه الأزمان ظهور القاعدة الذين لبسوا رداء الجهاد وزيفوا ا الشريعة باسم التجديد ويسروا أسباب الفساد باسم الدفع عن بلاد الاسلام وفتحوا أبواب الرذيلة باسم الجهاد وهونوا من العلم والعلماء باسم الارجاء ، ووالوا الصفوية الكفار باسم فقه الأولويات,القاعدة التي جمعت بين الحركية الفكرية ، التي نشأت لمقاومة العلمانية، والقطبية التي استلهمت مفاهيم التكفير، فنشأت الجهادية التكفيرية، وكانت افغانستان الارضية الملائمة للعمل التكفيري ، في جهادها الاحتلال السوفياتي . ثم جاء اعلان “الجبهة الاسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين”، اول تعبير عملي عن هذا المزج والتوفيق بين الفكرالجهادي الاخواني ممثلا باسامة بن لادن، زعيم “القاعدة” والفكر الجهادي القطبي، ممثلا بايمن الظواهري، زعيم “الجهاد الاسلامي”. لقد فتح سيد قطب في منظومته الفكرية والايمانية ابواب التكفير على مصاريعها لتعم الامة بكاملها، وذلك عندما صرّح “ان الناس ليسوا مسلمين كما يدعون، وهم يحيون حياة الجاهلية، ليس هذا اسلاميا، وليس هؤلاء مسلمين” (معالم في الطريق،ص67).ولا بأس من القاء نظرة سريعة على بعض المفاهيم التي هي الجوهر الحقيقي والمحرك الاساسي لكل المنتمين الى هذا التيار التكفيري :
أ- الحاكمية لله: وخلاصته ان الدولة الاسلامية يجب ان تقوم على اساس “الحاكمية الالهية”، وان عبودية الانسان لله واتباع شريعته هي اساس الائتلاف والتعاضد بين الناس. فالولاء يجب ان يكون للعقيدة وللاسلام، وليس للمسلمين او للوطن، او لأي افكار بشرية او وضعية، كالقومية او العروبة او الاشتراكية…
ب- جاهلية المجتمعات: المجتمع الجاهلي او مجتمع الشرك هو المجتمع الذي ينهض بنيانه على دعامة “حاكمية البشر” سواء كانت حاكمية فرد او اسرة او طبقة او جمهور. وقد رأى قطب والمودودي قبله، ان العالم يعيش اليوم جاهلية مدمرة، اساسها تجاهل مفهوم “لا اله الا الله”، فلا بد من اعلان الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها واشكالها وانظمتها.
ج- تكفير الانظمة، يصرح هذا التيار برفض الانظمة الحاكمة، ويقطع بعدم شرعيتها وبكفرها، ثم يدعو الى جهاد الحكام الكفار المرتدين الحاكمين بغير شريعة الاسلام، الموالين لليهود والنصارى، استنادا الى النص القرآني: “ومَن لم يحكم بما انزل الله، فأولئك هم الكافرون” المائدة/44.
د- العنف المسلح الطريق الى الاصلاح: بعد ان تبرأ من الانظمة السائدة، وممن يواليها، وصرح بعداوته لها، اعلن هذا التيار ان الجهاد المسلح لازالتها والقضاء عليها حتمي في كل زمان ومكان، وانه السبيل الوحيد للتغيير والاصلاح.
هذه هي خلاصة الافكار التي طلع عليها بها منظرو هذا التيار التكفيري، فكل ما في هذه المنظومة تفوح منه رائحة العنف والقتل والكراهية والمقاطعة والتبروء والالغاء والتكفير والهدم والتحطيم، اي هي تنضح بكل القيم السلبية التي جهدت البشرية على مر العصور والدهور على نقدها ورفضها ونبذها والدعوة الى نقائضها، لما فيه خير الانسان وسعادة المجتمع الانساني واستمراره، فكيف يمكن ان تُجمع كل هذه المفاهيم المدمرة في دعوة واحدة، ثم يدّعي اصحابها ان هدفهم الامثل هو حماية العقيدة، وصون الدين، وبناء الانسان واصلاح المجتمعات؟ وهذا السؤال يصبح مبررا اذا شهدنا الاذى البالغ الذي الحقه هذا التيار بسمعة الاسلام والمسلمين في العالم كله، ليس اقله تهمة الفساد واستسهال الانتحار التي التصقت بهم، اضف الى ذلك الخوف والذعر والهلع والموت الذي نشره في ارجاء المعمورة …ولكن هذا الخطاب التكفيري، وبدلاً من الدعوة الى التجديد والتحديث، وابتداع وسائل جديدة للمقاومة والدفاع والتفاعل مع العصر، قد دعا الى الانعزال والانقطاع، وأدان العصر كله: قيماً وحضارات ومجتمعات وسياسات، وهذا ما أوقفه في تناقضات مع المرحلة الراهنة ثم هو يطرح نفسه بديلاً من كل القوى والتيارات الاخرى العاملة على الساحة، فالمتبنّون لأفكاره هم المسلمون الوحيدون، أما مخالفوهم فهم - حتى لو كانوا مسلمين - “كفرة”، وخارج دائرة الاسلام الايمانية والسياسية، وهم الوحيدون الذين يملكون المشروع الشرعي لإنقاذ الأمة. وهذا المشروع الذي ذهب الى أبعد الحدود في توظيف الدين في خدمة مصالح سياسية، قد ادعى امتلاك الحقيقة الدينية والسياسية، ولم يستحِ من الله عندما أضفى القداسة على أفكار واجتهادات هي نتاج العقل البشري غير المعصوم من الخطأ والزلل والانجرار وراء الهوى والانفعال، ولذلك فإن ما يأتي به قابل دائماً للتعديل والتصحيح وإعادة النظر والمعارضة.فالتكفير لم يفلح في أيمكان من العالم في تحقيق أهدافه، بل إنه يقضي على أصحابه، ولن يغير سياسة، ولن يكسبتعاطفًا، بل يؤكد الطبيعة العدوانية والروح الدموية للتوجهات الفكرية لأصحابه. والقاعدة لا تعرف وطنًا ولا جنسًا، ولا زمانًا ولا مكانًا، والفقهيات والعقائد كلها تلتقي على استنكارها ورفضها والبراءة منها ومن أهلها، ومن ثم فإنها تبقى علامة شذوذ ودليل انفراد وانعزالية. والقاعدة تثمرعكس نيات أصحابها، والامة الاسلامية لن تسمح لحفنة من التكفيرين أن تملي عليها تغيير مسارها، أوالتشكيك في مبادئها ومسلماتها.
هـ- التفجيرات العشوائية في ديار الاسلام التي توقع عدداً من عوام المسلمين لم يرتكبوا جناية تبيح قتلهم .
1- القيام بهذه التفجيرات مع العلم القطعى بوقوع ضحايا من هؤلاء يفيد تعمد قتلهم و هو محرم شرعاً قال تعالى ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً …) النساء /93ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث ..) الحديث متفق عليه فبأى حق يستباح دم عوام المسلمين الذين يتواجدون فى موقع تلك التفجيرات ؟
2- أنه لا يجوز استهداف أهل الذمة الموجودين بموقع الانفجار بالقتل لقول النبى : صلى الله عليه وسلم ( من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة و إن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً ) رواه البخارى .
3- لا يجوز قتل المستأمنين لدخولهم البلاد بأمان معتبر شرعاً أو لوجود شبهة أمان تمنع من استهدافهم بالقتل بواسطة تلك التفجيرات لقول الله ( وإن أحد من المشركين استجارك …) الآية ولقول النبى صلى الله عليه وسلم : ( ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ) رواه البخارى.
4- أنه لا يجوز قصد الأطفال والنساء من غير المسلمين بالقتل طالما لم ينتصبوا لقتال وذلك لنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك : فهؤلاء يحرم قتلهم أثناء الحرب ، فكيف يصح القول بإباحة استهدافهم بتلك التفجيرات وليس هناك حرب قائمة معهم .
5- أنه يترتب على هذه التفجيرات تدمير بعض الممتلكات لأناس لم يرتكبوا جناية تبيح تدميرها وقد قال النبى صلى الله و عليه و سلم : ( إن دماءكم و أموالكم حرام عليكم …) الحديث رواه مسلم .
6- إن القول بوقوع المسلمين جميعاً فى ردة جماعية قول ليس عليه دليل و الواقع يكذبه حيث أن أكثر المسلمين يقومون بواجباتهم الشرعية و لا يتلبسون بأى من المكفرات المخرجة من الملة عن عمد أو علم أو رضا ، و بكل قطر من أقطار المسلمين حركات إسلامية تلتزم بعقيدة أهل السنة و الجماعة .
7- أن الاعتماد على أن المسلمين تفشى فيهم الكثير من الذنوب و المعاصى للقول بردتهم عن الإسلام قول لا يصح . لأن مذهب أهل السنة و الجماعة أن فعل المعاصى لا يخرج من ملة الإسلام و ليست المعاصى من نواقض الإيمان و لكنها من نواقصه . قال تعالى ( وعصى آدم ربه فغوى ) .
8- أن لا يصح الاعتماد على وقوع بعض المسلمين يقعون فى بعض الشركيات كالذبح و النذر و الدعاء لغير الله و هؤلاء ما وقعوا فى ذلك إلا من جراء الجهل الذى يعد عذراً يمنع من لحوق حكم الكفر بهم . لا يصح الاعتماد على ذلك للقول بتكفير شعب بأسره .
9- لا يجوز تكفير شعب بأسره اعتماداً على وقوع بعض أفراده فى الموالاة المحرمة لغير المسلمين لأن هذه الموالاة لا تدخل فى عداد الموالاة التى توجب الكفر و إن كانت موجبة للإثم و هى من جنس الموالاة الممنوعة التى وقع فيها الصحابى حاطب بن أبى بلتعة .و هكذا لا نجد مستنداً شرعياً يستند عليه هذا التوصيف الجائر فى حق أمة الإسلام بأسرها .
10- أن جل العلماء أوضحوا أن تبييت المشركين جائز و لو أدى ذلك إلى سقوط بعض النساء والأطفال قتلى . ولكنهم اشترطوا عدم قصد النساء والأطفال بالقتل وممن قال ذلك الإمام أحمد والشافعى . فأين ذلك ممن يقدم على هذه التفجيرات و يعلم وجود مسلمين بأعيانهم فى الموقع المستهدف و قد يرى بعينه بعض النساء و الأطفال من غير المسلمين موجودين به ثم يقدم على إتمام تفجيرات .
11- أنه لا يجوز فى حال اختلاط المسلم بغيره من الكفار أن يقصد المسلم بالقتل بالتبييت أو غيره . قال تعالى ( ولولا رجال مؤمنون و نساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم …) الآية.قال القرطبى ( و هذه الآية دليل على مراعاة الكافر فى حرمة المؤمن .. و سئل بن القاسم : عن الحصن من حصون المشركين و فيهم مسلمون أسارى و حصرهم أهل الإسلام ، هل يجوز تحريق الحصن ؟ فقال سمعت مالكاً و سئل عن قوم من المشركين فى مراكبهم ؟ فقال مالك : لا أرى ذلك أى لا أرى تحريقهم لقول الله ( لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما ) أ . هـ .
12- لا يصح قياس التفجيرات العشوائية على مسألة التترس لأنه قياس مع الفارق و ذلك للآتى :
أ- فى حالة التترس يكون المسلم مكرها على البقاء معهم ، بينما فى التفجيرات يكون المسلمون متواجدون بكامل إرادتهم فى موقع الانفجار .
ب- فى حالة رمى الترس المسلم يكون الرمى على
























